كلمة «منظومة» جاية من أصل كلمة نَظْم أو نظام (System)، وهي في معناها البسيط بناء متكامل مكوَّن من عناصر مترابطة ومتفاعلة. كل عنصر داخل هذا البناء له دور محدد، ولا يعمل بمعزل عن غيره، بل يشتغل الجميع بتنظيم دقيق يهدف في النهاية إلى تحقيق غاية واضحة. أي منظومة حقيقية لا تقوم على الصدفة، وإنما على الترابط، والتناسق، وترتيب الأدوار.
ولو رجعنا خطوة للخلف وحاولنا ننظر للأصل، هنلاقي إن منظومة الحياة نفسها هي أول وأكبر مثال يمكن نتأمله. وهنا يظهر سؤال جوهري: يعني إيه حياة أصلًا؟ وبما إننا بنستخدم كلمة «منظومة» لوصفها، فده يفرض علينا نتأكد إن الحياة فعلًا قائمة على نظام، مش مجرد أحداث متفرقة ماشية بعشوائية من غير معنى ولا ترتيب.
اليقين بالحقيقة دي مش شيء بييجي فجأة، ولا نتيجة كلام محفوظ أو أفكار متكررة من غير فهم. اليقين بيبدأ من التساؤل الصادق، ومن البحث، ومن إن الإنسان يحاول يشوف الأدلة بعقله هو، مش يكتفي إنه يسمعها بأذنه. العقل لازم يشوف الصورة كاملة وبوضوح، لأن الأساس اللي بيتكوَّن عند الإنسان في المرحلة دي بيبني فوقه كل شيء بعد كده: طريقة تفكيره، أسلوب تحليله، أفعاله، ورؤيته للحياة بشكل عام.
ولو حاولنا نبص على الحياة ببساطة، وعلى قد المستوى الحالي من الفهم، هنلاقي إنها مليانة مظاهر تنظيم واضحة. إحنا عايشين في كون ضخم، فيه ليل ونهار بيتعاقبوا بانتظام، وفيه بشر تصميم أجسامهم واحد، واللي بداخلهم واحد، رغم اختلاف الأشكال والألوان. هنلاقي كواكب بتدور في مدارات ثابتة بدقة شديدة، من غير ما كوكب يخبط في التاني أو يخرج عن مساره. هنلاقي علاقة واضحة بين السبب والنتيجة؛ تزرع تحصد، تتعب توصل، تهمل تخسر. وحتى في حياتنا اليومية، بنشوف أنظمة دقيقة من صنع البشر نفسهم، زي البنوك، ووسائل التواصل الاجتماعي، وأنظمة برمجة الطيارات والعربيات، وكلها قائمة على قوانين وتنظيم محكم.
كل المشاهد دي بتقود العقل الطبيعي لفكرة إن اللي حوالينا قائم على أسباب منظمة، وبتبعده تدريجيًا عن فكرة إن الحياة ماشية بالصدفة أو العشوائية. ومع ذلك، مش مطلوب من الإنسان إنه يفهم كل التفاصيل الدقيقة لكل شيء، وده أصلًا مستحيل. عشان كده البشر اتقسموا لتخصصات، وكل واحد بيغوص في مجاله، وبيعتمد في باقي الجوانب على أهل العلم والمعرفة. المهم مش الإحاطة بكل شيء، لكن اليقين بوجود النظام، والتخلص من فكرة إن الحياة بلا معنى أو ترتيب.
وأول ما الإنسان يبدأ يشوف الحياة على إنها نظام دقيق، بيلاحظ تغيير حقيقي جواه. منظومته العقلية بتبدأ تتشكّل بشكل تلقائي، تفكيره يبقى أكثر تنظيمًا، قدرته على التحليل والربط بين الأمور تزيد، وإدراكه يعلى مستوى بعد مستوى. ومع كل توسع في الإدراك، الصورة بتكبر، والفهم بيعمق، والإنسان بيشوف الحياة من زاوية أوسع وأوضح، ويفضل في رحلة تطور وفهم مستمرة… لحد آخر الرحلة
